top of page
بحث

الحب عبارة عن وهم… يخلق من خوفنا الوجودي

  • صورة الكاتب: Laith Hadid
    Laith Hadid
  • 26 يناير
  • 3 دقيقة قراءة

أنا أرى أن الحب — بالشكل الذي نتداوله اليوم — أقرب إلى فكرة متخيّلة منها إلى حقيقة ثابتة. هو مشروع وهمي نُلبسه ثوب القداسة، وننسب إليه ما ليس فيه، ونبرّره بالقدر والصدفة والكيمياء، بينما هو في جوهره آلية معقدة تجمع بين غرائز بيولوجية، وحاجات نفسية، وتخيّلات ثقافية.



الحب كخدعة نفسية لتحمّل الوحدة


من منظور علم النفس، الإنسان كائن اجتماعي، يخشى العُزلة والفراغ، ويبحث عن معنى في العلاقات. لهذا يبدو “الحب” كأحد أفضل الحلول النفسية لمشكلة الوجود: أن يكون هناك من يراك، يسمعك، يتحمّل هشاشتك، ويشاركك وهم الحياة.

فرويد اعتبر أن الحب ليس إلا إزاحة للطاقة الغريزية نحو شخص واحد. أما علماء علم النفس المعاصر فيرون العلاقات كاستراتيجية للحصول على الدعم العاطفي والتنظيم النفسي. فهل الحب هنا حقيقة؟ أم مجرد أداة نفسية؟ من وجهة نظري، يمكن أن يكون وهمًا وظيفيًا، نخلقه كي نستطيع المضي في الحياة.



الحب كنتاج للثقافة وليس الطبيعة


من منظور فلسفي–سوسيولوجي، فكرة أن الحب شيء “خالِد” ليست فكرة قديمة كما نظن. الحب الرومانسي كمفهوم اختراع حديث نسبيًا — صاغه الشعر، وساهمت فيه الروايات، ثم السينما والأغاني. قبل هذا كان الزواج في أغلب التاريخ قائمًا على:

  • المصالح

  • تحالفات السلطة

  • الاقتصاد

  • استمرار السلالة


الحب في ذاته لم يكن متطلبًا. وهنا يظهر سؤال مهم:هل نحن نحب فعلا؟ أم أننا نقوم بأداء ثقافي تعلمناه؟

عندما نسمع الأغاني ونشاهد الأفلام ونقرأ القصائد، نبدأ بشكل لا واعٍ في تصميم صورة للحب، ثم نحاول إسقاطها على شخص ما. إذا لم تتطابق، نشعر بالخيبة، ليس لأن الحب لم يوجد، بل لأن الوهم لم يكتمل.



الحب كتجربة بيولوجية موقّتة


من منظور علم الأحياء والأعصاب، الحب ليس سرًا غامضًا، بل مزيج من:

  • الدوبامين (المكافأة والتحفيز)

  • الأوكسيتوسين والفازوبريسين (الارتباط الاجتماعي)

  • النورإبينفرين (التوتر والانجذاب)

هذه المواد تجعل “العاشق” يعيش حالة تشبه الإدمان.هذا يفسر:

  • التفكير المستمر

  • الخوف من الفقد

  • تغير المزاج

  • التعلّق السريع


والأهم: هذه الحالة مؤقتة؛ يقدّر بعض الباحثين أن المرحلة الرومانسية لا تدوم أكثر من فترة تتراوح بين 6 أشهر إلى 3 سنوات، بعدها يتحوّل الحب إلى رفقة أو عادة أو مسؤولية.

وهنا تُطرح الحقيقة المزعجة: إذا كان الحب مجرد تفاعلات كيميائية مؤقتة، فهل هو كيان حقيقي؟ أم وهم بيولوجي يخدم البقاء؟



النزعة الجينية: ما نراه حبًا قد يكون برنامجًا للتكاثر


من منظور جيناتي–تطوّري، الدماغ والكائن البشري مصممان للبقاء ونقل الجينات.فما نسميه “حبًا” قد يكون مجرد:

  • آلية للاختيار الجنسي

  • استراتيجية لضمان تربية الصغار

  • وسيلة للحفاظ على استقرار المجتمع

الجينات لا تهتم بحساسيتنا ولا بقلوبنا، بل بأن تنتقل إلى الجيل التالي.فنحن نبحث لا شعوريًا عن:

  • الحيوية

  • الصحة

  • الأمان

  • القدرة على الإنتاج

  • الدعم


ثم نسمّي هذا “حبًا”.لكن ما هو إلا ذكاء جيني متنكر بزيّ شاعري.


هل الحب وهم؟ أم أننا نحتاج الوهم للبقاء؟


من السهل أن نقول: الحب وهم.لكن السؤال الأعمق: لماذا نحتاج هذا الوهم؟

ربما لأن الوهم يمنحنا:

  • سببًا للاستمرار

  • قناعة أن الحياة أجمل مما هي

  • شريكًا نتبادل معه الخوف

  • حلمًا يعوّض ثقل الواقع

  • معنى للعطاء

  • عزاءً في الوحدة

الوهم ليس دائمًا كذبة، بل قد يكون حقيقة نفسية. أحيانًا لا نبحث عن الواقع… بل عن ما يجعل الواقع محتملاً.


في زمن اليوم: الحب كمنتج استهلاكي


اليوم، مع التطبيقات والتواصل السريع، أصبح الحب أقرب إلى منتج استهلاكي:

  • قابل للاستبدال

  • سريع الاستهلاك

  • مؤقت

  • مشروط

  • قابل للمقارنة


أصبحنا نحب كي لا نبقى وحدنا، ولكن لا نستطيع الاستمرار لأن خيارات البديل دائمًا مفتوحة.هذا يخلق حبًا هشًا، قصير المدى، يعتمد على الإثارة لا الالتزام. فهل هذا حبٌ حقًا؟ أم وهم متكرر؟



رأيي النهائي

أنا أرى أن الحب ليس حقيقة موضوعية خارجنا، بل بناء نفسي–ثقافي–بيولوجي نخلقه نحن. قد يكون وهمًا… لكنه وهم مفيد.وهم يمنحنا:

  • الانتماء

  • المعنى

  • الدفء

  • التحمل النفسي


تمامًا مثل الدين، الفن، واللغة… ليست أشياء مادية، لكنها تشكل حياتنا أكثر من الأشياء المادية.

فربما السؤال ليس “هل الحب وهم؟” بل: هل نحن مستعدون للعيش دون هذا الوهم؟

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
فلسفة الجمال من أجل بناء مجتمع مثالي

في النقاشات الأخلاقية المعاصرة، غالباً ما تهيمن أسئلة مثل: كيف نقلل المعاناة؟ كيف نحقق العدالة؟ كيف ننظم العلاقات بين الأفراد؟ هذه أسئلة ضرورية بلا شك، لكنها لا تكفي لبناء مجتمع مثالي. فالمجتمع لا يُق

 
 
 
المصرفية الحكومية مقابل المصرفية المركزية: البنية والوظائف والتأثير الاقتصادي

مقدمة تلعب الأنظمة المصرفية دورًا أساسيًا في حركة الأموال، وإصدار الائتمان، وتطوير الاقتصاد. من أكثر المفاهيم التي يتم الخلط بينها هو الفرق بين المصرفية الحكومية  و المصرفية المركزية . على الرغم من وج

 
 
 

تعليقات


© 2025 ليث حديد. جميع الحقوق محفوظة

bottom of page